الشيخ محمد رشيد رضا

162

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« وأيضا فان ما ذكر من تواتر الاخبار انما غالبه فرض أمر جائز ، ولعلك لا تجد في الاخبار النبوية ما يقضى بتواتره إلى زمن الواقعة ، فالبحث المذكور في المسألة بحث في غير واقع أو نادر الوقوع ولا كبير جدوى فيه واللّه أعلم ( المسألة الثالثة ) السنة راجعة في معناها إلى الكتاب فهي تفصيل مجمله ، وبيان مشكله ، وبسط مختصره ، وذلك لأنها بيان له ، وهو الذي دل عليه قوله تعالى ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) فلا تجد في السنة أمرا الا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية . وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها فهو دليل على ذلك ، - ولان اللّه قال ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن واقتصرت في خلقه على ذلك ، فدل على أن قوله وفعله واقراره راجع إلى القرآن ، لان الخلق محصور في هذه الأشياء - ولان اللّه جعل القرآن تبيانا لكل شيء فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة ، لان الامر والنهي أول ما في الكتاب . ومثله قوله ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) وقوله ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) وهو يريد بانزال القرآن ، فالسنة إذا في محصول الامر بيان لما فيه ، وذلك معنى كونها راجعة اليه - وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك حسبما يذكر بعد بحول اللّه ، وقد تقدم في أول كتاب الأدلة ان السنة راجعة إلى الكتاب والا وجب التوقف عن قبولها وهو أصل كاف في هذا المقام » ثم أورد الشاطبي الشبهات على هذا مع ردها ، وملخصها انه غير صحيح من أوجه ( 1 ) الآيات الواردة في تحكيم النبي ( ص ) واتباعه وطاعته واخذ ما أعطى والانتهاء عما نهى وحذر المخالفة عن أمره ( 2 ) الأحاديث الدالة على ذم ترك السنة ( 3 ) الاستقراء الدال على أن في السنة احكاما كثيرة لم ينص عليها القرآن كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع . . . ( 4 ) « ان الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم خارجين عن السنة إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء فاطرحوا أحكام السنة فاداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة وتأويل القرآن على غير ما أنزل اللّه » وأورد بعض الأخبار والآثار عن الصحابة في ذلك